منتديات البصائر الإسلامية



انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتديات البصائر الإسلامية

منتديات البصائر الإسلامية

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

.::: بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً :::.


    آداب العلماء والمتعلمين

    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه الخميس فبراير 19, 2009 9:29 am

    منقول
    جميع الحقوق محفوظه لمؤسسة الامام زيد بن علي(ع) الثقافيه
    قد ينسى او لايعلم الكثير من طلاب العلم والمدرسين الواجبات التي تخص الحلقه ومايترتب عليها من إحترام متبادل في خارجها وداخلها والاخلاق التي يجب على طالب العلم ان يقوم بها لكي يبارك له الله في علمه وكذلك الاستاذ عليه ان يتخلق بأخلاق لكي يبارك الله في أجره اترككم مع هذا الكتاب النفيس والذي على الجميع ان يقرأة طالب علم او غيره .

    آداب العلماء والمتعلمين

    جمعـه
    الإمام
    الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي-عليه السلام-
    المتوفى سنة (1050هـ)
    تحقيق
    محمد قاسم محمد المتوكل







    مقدمة المحقق:-

    الحمد لله الذي علّم الإنسان ما لا يعلم القائل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[الزمر:9] والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد القائل: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)) وعلى آله معادن الحكمة وفصل الخطاب.
    وبعد:
    هناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على أهمية العلم وأثره في الحياة الدنيا والأخرى، فالعلم حياة القلوب، ومصباح الظلم، به يهتدى إلى الحق، وبه يعرف الله حق معرفته، وبه يُخشى ويُتقى، وهو الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجور إلى العدل ويهديهم الطريق الصواب، فبالعلم تقام الحدود، وبالعلم يسعد الناس، وهو أفضل الأعمال والسبيل إلى الجنة، كما أخبرنا رسول الله ً فقال: ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإنه ليستغفر لطالب العلم من في السموات ومن في الأرض حتى حيتان البحر وهوام البر، والطير في السماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب))، وبالرغم من هذه الأهمية القصوى للعلم إلاّ أننا نسمع ونرى في هذا العصر عدم الإهتمام به وعدم الحث على تعلمه وتعليمه والتأدب بآدابه استجابة للحياة الدنيا وملهياتها، وكما أن للعلم تلك الميزة العظيمة فإن لطلبه شروطاً وآداباً يجب التخلق بها أثناء طلبه وتدريسه لتتحقق ثماره وتظهر فائدته.
    فقد حث الأئمة والعلماء -رحمهم الله- على ذلك ونبّهوا إليه ووضّحوا الآداب في كتب وملاحظات هنا وهناك.
    فكان مما وقفت عليه من ذلك كتاب (آداب العلماء والمتعلمين) الذي جمعه العلاّمة الحسين بن القاسم بن محمد -عليهم السلام- من كتاب (جواهر العقدين في فضل الشرفين) شرف العلم الجلي والنسب النبوي العلي للشريف علي بن عبد الله السمهودي -رحمه الله- ولأهمية هذا الكتاب وما فيه من آداب وأخلاق يجب أن يتحلى بها العالم والمتعلم قمت بتحقيقه وإخراجه إلى النور لينتفع به -إن شاء الله- العلماء وطلاب العلم تحت إشراف استاذي العلامة عبد السلام عباس الوجيه -حفظه الله ورعاه-.
    وفي الأخير أتقدم بالشكر الجزيل لمؤسسة الإمام زيد بن علي (ع) الثقافية التي لها اليد الطولى في طباعة ونشر هذا الكتاب إلى النور، مواصلة لرسالتها ونهجها في خدمة فكر وعلم أهل البيت -عليهم السلام- الذين هم قرناء القرآن والثقل الأصغر وسفينة نوح.
    أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجه الكريم -آمين- وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.





    ترجمة المؤلف:-


    نسبه الشريف:-


    الحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن علي بن يحيى بن محمد بن يوسف الأشل بن القاسم بن الإمام الداعي إلى الله يوسف بن الإمام المنصور بالله يحيى بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق المبين يحيى بن الحافظ الحسين بن الإمام نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام-.



    :-مولده ونشأته

    ولد عليه السلام في يوم الأحد رابع عشر من ربيع الآخر سنة 999ه‍ ببلاد الشرف.
    ونشأ بين أسرته العلوية الكريمة معروفاً بالطهارة وحسن الأخلاق وطلب العلم.



    :-مشائخه

    قرأ على يد الكثير من العلماء منهم: والده الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام، وأخيه الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم -عليهما السلام-، والسيد المجتهد أمير الدين بن عبد الله نهشل، والسيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي، والعلامة محمد بن الحسن الأخفش، والسيد حسين بن علي جحاف، والسيد علي بن صلاح العبالي، والسيد محمد بن إبراهيم الشرفي، والقاضي عبد الله بن المهلا، والقاضي عامر الذماري، والقاضي سعيد بن صلاح الهبل، والقاضي علي حسين المسوري، والقاضي حسين العيزري، والعلامة المحقق لطف الله الغياث، والعلامة عبد الواحد النزيلي، والعلامة عبد الهادي الثلائي، والعلامة محمد الهتار، والشيخ محمد بن عبد العزيز المفتي الشافعي، والعلامة عبد الرحمن الحيمي وغيرهم.



    :-علمه ووصفه

    أخذ العلوم عن والده -عليه السلام- ومشائخه السابقين، حتى بلغ في جميع علم المنقوول والمعقوول مبلغاً عظيماً، وفاق في الدقائق الأصولية والبيانية والمنطقية والنحوية، وجمع بين الرئاسة للعلوم والأدب الغض والبلاغة في المنثور والمنظوم، والخط الحسن، والشجاعة الخارقة، والذكاء والألمعية، وحسن الإيراد والإصدار وسرعة الاستحضار، وملازمة الورع الشحيح والعفاف الصحيح، واشتغل بنشر العلم والدرس والتأليف.


    مآثره:-


    - المسجد المشهور بباب السبحة في صنعاء ووقف عليه ما يكفيه.
    - مسجد ذي بهلان بالقرب من مدينة ضوران آنس.
    - مسجد العكفة في أعلى طريق حصن ضوران وغير ذلك.



    :-وفاته وموضع قبره


    توفي عليه السلام في ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الآخر سنة 1050ه‍ ودُفن بقبته المشهورة المزورة بمدينة ذمار.
    وقد رُثي -رحمه الله- بعدة من المراثي منها القصيدة المتضمنة نظم تأريخ وفاته، وهي موسومة فوق الباب الشرقي في قبة مشهده بذمار ومنها:

    أياقبة حازت من المجد أسناه

    ومن شرف الفخر المؤثل أسماه



    حويت سليل القاسم بن محمد

    أجلّ الورى قدراً وعلماً وأعلاه



    حبيب أتم الله في الحشر نوره

    وبوّأه عليا الجنان وأعطاه


    إلى قوله:

    فلو سُئل التأريخ أين محله

    لقال مجيباً (دار الإكرام مثواه)


    1050هـ.

    مؤلفاته:-



    غاية السؤل في علم الأصول (وهو من أشهر كتب الزيدية في أصول الفقه يدل على طول باع وتبحر في هذا الفن).
    هداية العقول إلى غاية السؤل في علم الأصول (شرح للسابق).
    الأربعون الحديث الطالبية.
    آداب العلماء والمتعلمين (وهو الذي بين يديك الآن).
    بحث فيما يحتاج إليه المجتهد من علوم الإجتهاد.
    رسالة في التأمين (حرّم فيها الأنكار على الشافعية).
    رسالة في صلاة الجمعة.
    حاشية على اليزدي في المنطق.
    حواش علي أساس والده، وعلى شرحه للسيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي.
    وله العديد من المؤلفات والرسائل انظر: (أعلام المؤلفين الزيدية).




    مصارد ترجمته:-

    أعلام المؤلفين الزيدية، مصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن، مصادر الحبشي، البدر الطالع، مطلع البدور، مصادر العمري، الجوهرة المنيرة في جمل من عيون السيرة (سيرة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم عليهما السلام) للجرموزي، مقدمة كتاب آداب العلماء والمتعلمين طبعة الدار اليمنية سنة 1407ه‍.


    :-عملي في التحقيق

    دفعت الأصل إلى الكمبيوتر للصف.
    استخرجت نسخة من الكمبيوتر وقابلتها على النسخة الأصل، والتي رمزت لها بالرمز (أ).
    قابلت الكتاب على نسخة خطية أخرى ورمزت لها بالرمز (ب).
    فصَّلت النص إلى فقرات، والفقرات إلى جمل، واستخدمت في ذلك العلامات المتعارف عليها كالنقطة والفاصلة، والقوس، والمعكوف.
    خرّجت الأحاديث الواردة في هذا الكتاب من كتب الحديث.
    ترجمت الأعلام الواردة أسماءهم في هذا الكتاب ترجمة موجزة.
    فسّرت الألفاظ اللغوية ونحوها من المعاجم المشهورة.
    أثبت بعض التعليقات في الهامش إتماماً للفائدة.
    وفي الأخير أسأل الله العلي الكريم أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم آمين.
    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.

    محمد قاسم محمد المتوكل


    :-مقدمة المؤلف

    الحمد لله الهادي إلى طريق الصواب، الرافع درجات العلماء المتأدبين بأكرم الآداب، الناهجين مناهج السنة والكتاب، والصلاة والسلام على ذي الخلق الكريم سيدنا محمد المتنقل في أطهر الأصلاب، والمختار من أشرف الأنساب، وعلى آله معادن الحكمة وفصل الخطاب الذين خصهم الله بالفضل العظيم، وأثاب من أخلص المودة لهم أزكى الثواب.
    وبعد:


    فهذه كراريس منتخبة من كتاب (جواهر العقدين في فضل الشرفين) شرف العلم الجلي والنسب النبوي العلي للشريف نور الدين علي بن عبد الله بن الحسين السمهودي -رحمه الله- ينتفع بها -إن شاء الله- الطلاب ويتداولها ذوو الألباب من الأصحاب ويواظب على درسها أولاد الأئمة الفضلاء، ويتحفظها النجباء الكملاء، فترتسم في الأذهان، ويظهر أثرها -إن شاء الله- في كل زمان ومكان، والله المستعان وعليه التكلان.

    يتبع


    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع
    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours رد: آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه الخميس فبراير 19, 2009 9:44 am

    الفصل الأول في آداب العالم في نفسه




    وفيه اثنا عشر نوعاً:
    النوع الأول: أن يقصد العالم بعلمه وجه الله تعالى، ولا يقصد به توصلاً إلى غرض دنيوي، كتحصيل مالٍ أو جاه، أو شهرة أو سمعة، أو تمييز عن الأقران ونحو ذلك، ولا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع في رفق يحصل له من مشتغل عليه، بمال أو خدمة أو نحوها وإن قلّ، وإن كان على صورة الهدّية، التي لولا اشتغاله عليه لما أهداها إليه، وكان منصور لا يستعين بأحدٍ يختلف إليه في حاجة.
    وقال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته نسأل الله المسامحة، وينبغي [له] أن يصحح نيته عند الشروع في كل ما يفيده.
    قال أبو مزاحم الخاقاني: قيل لأبي الأحوص حدثنا، فقال: ليست لي نية، فقالوا له: إنك تؤجر، فقال شعراً:
    نجوت كفافاً لا عليّ ولا ليا


    يمنوني الخير الكثير وليتني

    وقد صح عن الشافعي رحمه الله أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا مني هذا العلم على أن لا ينسب إليّ حرف منه.
    وقال رحمه الله: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه.
    وقال: ما كلمت أحداً قط إلا وددت أن يوفق ويسدد، ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ.
    وعن أبي يوسف رحمه الله قال: ياقوم أريدوا بعلمكم الله، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم، إلا لم أقم حتى أفتضح.
    الثانـي: دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلانية، والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته، في أقواله وأفعاله، فإنه أمين على ما أودع من العلوم، وما منح من الحواس والفهوم، قال الله تعالى: ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.
    قال الشافعي: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، وعليه بدوام السكينة والوقار، والخشوع والورع، والتواضع والخضوع.
    ومما كتب مالك إلى الرشيد: إذا علمت علماً فلْيُرَ عليك أثره، وسكينته وسمته، ووقاره وحلمه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((العلماء ورثة الأنبياء)).
    وقال عمر: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار.
    وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة، وتواضعوا لمن تعلمون منه))، رواه الطبراني في (الأوسط).
    وعن السلف رحمهم الله: حق على العالم أن يتواضع لله في سره وعلانيته، ويحترس من نفسه، ويقف عما أشكل عليه.
    الثالـث: أن يصون العلم كما صانه علماء السلف، ويقوم له بما جعله الله تعالى له من العزة والشرف، فلا يدنسه بالأطماع، ولا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة، أو حاجة أكيدة، ولا إلى من يتعلمه منه منهم، وإن عظم شأنه وكبر قدره وسلطانه.
    قال الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم.
    وقال مالك بن أنس للمهدي وقد استدعاه لولديه يعلمهما: العلم أولى أن يوقر ويؤتى، وفي رواية: العلم يزار ولا يزور، ويؤتى ولا يأتي، وفي رواية: أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون، ويروى عنه أيضاً أنه قال: دخلت على هارون الرشيد فقال: يا أبا عبد الله، ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك (الموطأ)، قال: فقلت: أعزك الله، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عزّ، وإن أنتم أذللتموه ذلَّ، والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا من سمع الناس.
    ويروى أن الرشيد سأله هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشترِ بها داراً، فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص إلى العراق قال لمالك: ينبعي لك أن تخرج معنا، فإني عزمت أن أحمل الناس على (الموطأ)، كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال له: أما حمل الناس على (الموطأ) فليس إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدّثوا، فعند أهل كل مصر علم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اختلاف أمتي رحمة)) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد)) وهذه دنانيركم [كما هي]، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها، يعني أنك إنما حملتني على مفارقة المدينة بما اصطنعت لديّ، فلا أوثر الدنيا على الأخرى.
    وأخرج الخطيب البغدادي في (الجامع) عن مقاتل بن صالح الحميدي قال: دخلت على حماد بن سلمة فبينما أنا عنده إذ دقّ رسول محمد بن سليمان، فدخل، فسلم وناوله كتابه فقال: إقرأه، فإذا فيه:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    من محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة
    أما بعد:
    فصبّحك الله بما صبّح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها، فقال لي: اقلب الكتاب واكتب:
    أما بعد:
    وأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته؛ إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً، فإن وقعت مسألة فأتنا، فاسألنا عما بدا لك، وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجالك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي، والسلام.
    فبينما أنا عنده جالس إذ دق داق الباب، فقال: يا صبية، اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: هذا محمد بن سليمان، قال: قولي له يدخل وحده، فدخل فسلم، ثم جلس بين يديه، ثم ابتدأ فقال: مالي إذا نظرت إليك امتلأت رعباً، فقال حماد: سمعت ثابتاً البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء)) فقال: ما تقول يرحمك الله؟ وذكر مسألته وجوابها، ثم قال: وحاجة إليك، قال: هات ما لم تكن رزية في دين، قال: أربعون ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه، قال: ارددها على من ظلمته بها، قال: والله ما أعطيتك إلا ما ورثته، قال: لا حاجة لي فيها، إزوها عني زوى الله عنك أو زارك، قال: فغير هذا، قال: هات ما لم يكن رزية في دين، قال: تأخذها فتقسمها، قال: فلعلي إن عدلت في قسمتها أن يقول بعض من لم يرزق منها: إنه لم يعدل في قسمتها فيأثم، إزوها عني زوى الله عنك أوزارك.
    وسيأتي في الفصل الخامس ما اتفق لبعض أولاد المهدي العباسي مع شريك.
    وأخبار السلف في هذا الباب كثيرة شهيرة، فإن دعت حاجة أو ضرورة إلى شيء من ذلك، أواقتضته مصلحة دينية راجحة على مفسدة بذله وحسنت فيه نية صالحة فلا بأس به، وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف من المشي إلىالملوك وولاة الأمر، كالشافعي رحمه الله وغيره، لا على أنهم قصدوا بذلك فضول الأغراض الدنيوية، وكذلك إذا كان المأتي إليه من العلم والزهد في المنزلة العلية، والمحل الرفيع، فلا بأس بالتردد إليه لإفادته، فقد كان سفيان الثوري يمشي إلى إبراهيم بن أدهم ويفيده، وكان أبو عبيد يمشي إلى علي بن المديني يسمعه غريب الحديث.
    الرابـع: أن يتخلق بما حث الشرع عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها بقدر الإمكان، فإن ما يحتاج إليه منها على الوجه المعتدل من القناعة لا يعد من الدنيا، وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا ولا يبالي بفواتها؛ لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها، وسرعة زوالها، وكثرة عنائها، وقلة غنائها.
    وعن الشافعي رحمه الله: لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد، فمن أحق من العلماء بزيادة العقل وكماله؟
    وقال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تبراً يفنى والآخرة خزفاً يبقى، لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني، فكيف والدنيا خزف فانٍ والآخرة تبر باق!، وعليه بالسخاء والجود على حسب الوجود.
    الخامـس: أن يتنزه عن دنيء المكاسب ورذيلها طبعاً، وعن مكروهها عادةً وشرعاً، كالحجامة والدباغة، والصرف والصياغة، ويتجنب مواضع التهم وإن بعدت، ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مرؤة، وما يستنكر ظاهراً وإن كان جائزاً باطناً، فإنه يعرض نفسه للتهمة، وعرضه للوقيعة، ويوقع الناس في الظنون المكروهة وإثم الوقيعة، فإن اتفق وقوع شيء من ذلك منه لحاجة أو نحوها، أخبر من شاهده بحكمه وبعذره ومقصوده، كيلا يأثم من رآه بسببه، أو ينفر عنه فلا ينتفع بعلمه، [ولا يستفيد بذلك الجاهل به]، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية: ((فوليا على رسلكما إنها صفية))، ثم قال: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً)) وفي رواية: ((فتهلكا))

    يتبع


    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع
    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours رد: آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه الخميس فبراير 19, 2009 9:45 am

    السـادس: أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام، وظواهر الأحكام، كإقامة الصلوات في مساجد الجماعات، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى بسبب ذلك، صادعاً بالحق عند السلاطين، باذلاً نفسه لله لا يخاف فيه لومة لائم، ذاكراً قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾[لقمان:17]. وما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وغيره من الأنبياء عليه من الصبر على الأذى، وما كانوا يتحملونه في الله تعالى حتى كانت لهم العقبى، وكذلك القيام بإظهار السنن، وإخمال البدع، والقيام لله في أمور الدين، وما فيه من مصالح المسلمين على الطريق المشروع، والمسلك المطبوع، ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله تعالى على العوام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون، ويقتدي بهديهم من لا يعلمون، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد من الانتفاع به، كما سبق من قول الشافعي رحمه الله: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به. السابـع: أن يحافظ على المندوبات الشرعية القولية والفعلية، ويبالغ فيما يتضمن إجلال صاحب الشريعة النبوية، وتعظيمه واتباعه صلى الله عليه وآله وسلم، فيلازم تلاوة القرآن، وذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء الليل وأطراف النهار، ومن نوافل العبادات من الصلاة والصيام، وحج البيت الحرام، والصلاة على النب صلى الله عليه وآله وسلم، فإن محبته واجلاله وتعظيمه واجـب،والأدب عند سماع اسمه وذكر سنته مطلوب وسنة، وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر عليهما السلام إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنده اصفرّ لونه، وكان مالك رحمه الله إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتغير لونه وينحني. وكان ابن القاسم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجف لسانه في فيه، هيبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وينبغي له إذا تلا القرآن أن يتفكّر في معانيه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، والوقوف عند حدوده، وليحذر من نسيانه بعد حفظه، فقد ورد في الأخبار النبوية ما يزجر عن ذلك. والأولى أن يكون له منه في كل يوم ورد راتب لا يخل به، فإن غاب عليه فيوم ويوم، فإن عجز ففي ليلتي الأثنين والجمعة، وقراءة القرآن في كل سبعة أيام ورد حسن، وردٌ في الحديث وعمل به أحمد بن حنبل. ويقال: من قرأ القرآن في [كل] سبعة أيام لم ينسه قط، وينبغي له أن يستعمل الرخص في مواضعها عند الحاجة إليها، ووجود سببها؛ ليقتدى به فيها، فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه. الثامـن: معاملة الناس بمكارم الأخلاق، من طلاقة الوجه، وافشاء السلام، وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس، والإحتمال منهم، والإيثار وترك الاستئثار، والإنصاف وترك الاستنصاف، وشكر الفضل، والسعي في قضاء الحاجات، وبذل الجاه في الشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى الجيران والأقرباء، والرفق بالطلبة وإعانتهم وبرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا رأى من لا يقيم صلاته أو طهارته أو شيئاً من الواجبات عليه أرشده بتلطف ورفق، كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد، ومع معاوية بن الحكم في الصلاة. التاسـع: أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الردّية، ويعمره بالأخلاق المرضية، فمن الأخلاق الردية الغل والحسد، والبغي والغضب لغير الله تعالى، والغش والكبر، والرياء والعجب، والسمعة والبخل، والجبن والبطر، والطمع والفخر، والخيلاء والتنافس في الدنيا، والمباهاة بها، والمداهنة والتزين للناس، وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس، والاشتغال عنها بعيوب الخلق، والحمية والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغيره، والغيبة والنميمة، والبهتان والكذب، والفحش في القول، واحتقار الناس ولو كانوا دونه، فالحذر الحذر من هذه الصفات الخبيثة، والأخلاق الرذيلة، فإنها باب كل شر، بل هي الشر كله، وقد بلي بعض فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات، إلا من عصم الله تعالى ولا سيما الحسد، والعجب والرياء واحتقار الناس، وأدوية هذه الأربعة في كتب الزهد، ومن أنفعها (التصفية) للإمام يحيى بن حمزة عليه السلام، و(كنز الرشاد) للإمام عز الدين، ومن أخصرها (تكملة الأحكام)، ومن أدوية الحسد: الفكر في أنه اعتراض على الله تعالى في حكمته المقتضية تخصيص المحسود بالنعمة، مع أنه محض ضرر على الحاسد يجلب له الغم، وتعب القلب، وتعذيبه بما لا ضرر فيه على المحسود. ومن أدوية العجب: تذكّر أن علمه وفهمه، وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من النعم فضلٌ من الله عليه، وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها، وأن العجب بها كفران لنعمتها، فيعرضها للزوال؛ لأن معطيه إياها قادر على سلبها منه في طرفة عين، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾[إبراهيم:20]، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾[الأعراف:99]. ومن أدوية الرياء: الفكر في أن الخلق كلهم لا يقدرون على نفعه وضره، فلم يحبط عمله ويضر دينه، ويشغل نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعاً ولا ضراً، مع أن الله تعالى يطلعهم على نيته، وقبح سريرته، كما صح في الحديث: ((من سمع سمع الله به، ومن رايا رايا الله به)). ومن أدوية احتقار الناس: تدبر قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾[الحجرات:11] الآية، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾[الحجرات:13] ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13]﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾[النجم:32]، وربما كان المحتقر أطهر عند الله قلباً، وأزكى عملاً، وأخلص نية، كما قيل: إن الله تعالى أخفى ثلاثة في ثلاثة، وليّه في عباده، ورضاه في طاعته، وغضبه في معصيته، مع أن احتقار عباد الله مجرد خسران يورث الذل لفاعله. وفي خبر للحارث بن معاوية: أنه سأل عمر عن القصص، وأن عمر قال له: أخشى عليك أن تقص فترتفع في نفسك، ثم تقص فترتفع في نفسك، ثم تقص فترتفع في نفسك حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك، رواه الإمام أحمد، والحارث بن معاوية وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. ومن الأخلاق المرضية: دوام التوبة والإخلاص، واليقين والتقوى، والصبر والرضى، والقناعة والزهد، والتوكل والتفويض، وسلامة الباطن وحسن الظن، والتجاوز وحسن الخلق، ورؤية الإحسان وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله، والحياء من الله ومن الناس، ومحبة الله تعالى هي : الخصلة الجامعة لمحاسن الصفات، وإنما تتحقق بمتابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[آل عمران:31]. العاشـر: دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد، والمواظبة على وظائف الأوراد، عبادة وقراءة وافرة، ومطالعة وفكراً، وتعليقاً وحفظاً، وتصنيفاً وبحثاً، ولا يضيع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل، إلا بقدر الضرورة من أكل، أو شرب أو نوم، أو استراحة لملل، أو أداء حق زوجة، أو زائر أو تحصيل قوت وغيره مما يحتاج إليه أولاده، أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال، فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة لها، ومن استوى يوماه فهو مغبون. وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: سُئل بعض السلف ما بلغ من اشتغالك بالعلم؟ قال: هو سلوتي إذا هممت، ولذّتي إذا سلوت، قال: وأنشدني الشافعي لنفسه: وما أنا بالغيران من دون أهله إذا أنا لم أضح غيوراً على علمي طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف، وألم لطيف، بل كان يستشفي بالعلم، ويشتغل بقدر الإمكان؛ وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تنال المعالي إلا بشق الأنفس. وفي (صحيح مسلم) عن يحيى بن أبي كثير قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم، وفي الحديث: ((حفت الجنة بالمكاره)) وقد قيل: تريدين إدراك المعالي رخيصة ولابد دون الشهد من إبر النحل وكما قيل: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا وقال الشافعي رحمه الله: (حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من العلم، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في إدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه). وقال الربيع: لم أر الشافعي آكلاً بنهار، ولا نائماً بليل لاشتغاله بالتصنيف، ومع ذلك فلا يحمل نفسه من ذلك فوق طاقتها كيلا تسأم وتمل، فربما نفرت نفرة لا يمكنه تداركها، بل يكون أمره في ذلك قصداً، وكل إنسان أبصر بنفسه. الحادي عشر: أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصباً، أو نسباً أو سناً، بل يكون حريصاً على الفائدة حيث كانت الحكمة ضالة المؤمن، يلتقطها حيث وجدها. قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالماً ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعض العرب: وليس العمى طول السؤال وإنما تمام العمى طول السكوت على الجهل وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم. قال الحميدي وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر، فكنت أستفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث. وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى نأخذ به، وصحت رواية جماعة من الصحابة عن التابعين، وأبلغ من ذلك كله قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾، قالوا: من فوائده أن لا يمتنع الفاضل [من] الأخذ عن المفضول. الثاني عشر: الإشتغال بالتصنيف، والجمع والتأليف، لكن مع تمام الفضيلة وكمال الأهلية، فإنه يطلع على حقائق الفنون، ودقائق العلوم، للاحتياج إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتنقيب والمراجعة، وهو كما قال الخطيب البغدادي: يثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويجيد البيان، ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر، ويخلده إلى آخر الدهر، كما قيل: يموت قوم فيحي العلم ذكرهم والجهل يلحق أمواتاً بأموات وقال بعضهم: علم الإنسان ولده المخلّد. قال أبو الفتح علي بن محمد البستي: وليس له ذكر إذا لم يكن نسل يقولون ذكر المرء يبقى بنسله فمن سرّه نسل فإنا بذا نسلوا فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي والأولى أن يعتني بما يعم نفعه، وتكثر الحاجة إليه، وليكن اعتناؤه بما لم يسبق إلى تصنيفه، بأن لا يكن ثم ما يغني عن تصنيفه في جميع أساليبه، وليتحرّ إيضاح العبارة في تأليفه، معرضاً عن التطويل الممل، والإيجاز المخل، مع إعطاء كل مصنف ما يليق به، ولا يخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه، وتكرير النظر فيه وترتيبه، ومن الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان، على من ظهرت أهليته، وعرفت معرفته، ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار، ولله در القائل: قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ويرى للأوائل التقديما إنّ ذاك القديم كان جديداً وسيبقى هذا الجديد قديما والمتصرف في مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار، أوحكايات مباحة أو غير ذلك، لا ينكر عليه، فلِمَ إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن.! أما من لم يتأهل لذلك فالإنكار عليه متُجه لما تضمنه من الجهل، وتغرير من يقف على ذلك التصنيف به، ولكونه يضيع زمانه فيما لم يتقنه، ويدع الإتقان الذي هو أحرى به. يتبع


    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع
    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours رد: آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه الخميس فبراير 19, 2009 9:47 am

    :-الفــــــصل الـــــــثاني في آداب الـــــعالم


    في درسه وفيه اثنا عشر نوعاً: الأول: إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الحدث والخبث، وتنظف وتطيّب، ولبس من أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه، قاصداً بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة. كان مالك رحمه الله إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، ووضع رداءه على رأسه، ثم يجلس على منصبته، ولا يزال يتبخر بالعود حتى يفرغ، وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروى الخطيب في (الجامع) من شعر علي رضي الله عنه: زين الرجال بها تعز وتكرم أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها فالله يعلم ما تجن وتكتم ودع التواضع في الثياب تحرياً عند الإله وأنت عبد مجرم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة تخشى الإله وتتقي ما يحرم وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن ثم يصلي ركعتي الاستخارة إذا لم يكن وقت كراهة، ويستحب للشخص أن يجعل في كل يوم وقتاً معيناً يصلي فيه صلاة الاستخارة ، ويقول: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه وانطق به في حقي وفي حق غيري، وجميع ما يتحرك فيه غيري [وأنطق به] في حقي وحق أهلي وولدي، وما ملكت يميني، من ساعتي هذه إلى مثلها من الغد، خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه، وأنطق به في حقي وفي حق غيري، وجميع ما يتحرك فيه غيري في حقي وفي حق أهلي وولدي، وما ملكت يميني من ساعتي هذه إلى مثلها من الغد، شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، وهذه الكيفية وإن لم تكن في الأحاديث فهي موافقة لإطلاق ما جاء في الحث على الاستخارة، كحديث: ((إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة)) الحديث. وقد كان أهل الجاهلية يستعملون في أمورهم الاستقسام بالأزلام ونحوها، فعوض صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ما يتضمن التوحيد والافتقار، والعبودية والتوكل، وسؤال الرشد والفلاح، ورد الأمر إلى من بيده أزمّة الخيرات، وإنجاح الطلبات، ثم ينوي نشر العلم وتعليمه، وبث الفوائد الشرعية، وتبليغ أحكام الله تعالى التي ائتمن عليها، وأمر ببنيانها، والازدياد من العلم، وإظهار الصواب، والرجوع إلى الحق، والاجتماع على ذكر الله تعالى، والسلام على إخوانه من المسلمين، والدعاء للسلف الصالحين. ويحكى عن بعضهم أنه كان يكتب حتى تكل يده ويعجز، فيضع القلم ثم ينشد: لئن كان هذا الدمع يجري صبابةً على غير ليلى فهو دمع مضيع وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[المؤمنون:61]. قال الحسن: كانوا يعملون أعمال البر، ويحسبون أن لا يتقبل منهم. الثانـي: إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو: ((اللهم إني أعوذ بك أن أضِل أو أُضَلّ، أو أزِل أو أزلّ، أو أظلِمَ أو أُظلَم، أو أجهلَ أو يُجهل عليّ، عزّ جارك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك)) ثم يقول: بسم الله وبالله وحسبي الله وتوكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني، وأدر الحق على لساني)، ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس، فإذا وصل إليه سلم على من حضر وصلّى ركعتين، إن لم يكن وقت كراهةٍ، فإن كان مسجداً تأكدت مطلقاً، ثم يدعو الله تعالى بالتوفيق والإعانة والعصمة، ويجلس مستقبلاً القبلة لحديث: ((أكرم المجالس ما استقبل القبلة)) ، رواه أبو يعلى والطبراني في (الأوسط)، عن ابن عمر مرفوعاً، وللطبراني في (الكبير) عن ابن عباس نحوه مرفوعاً، ويكون جلوسه بسكينة ووقار، وتواضع وخشوع متربعاً أو غير ذلك مما لا يكره من الجلسات، ولا يجلس مقعياً ولا مستوفزاً، ولا رافعاً إحدى رجليه على الأخرى، ولا ماداً رجليه أو إحداهما من غير عذر، ولا متكئاً على يديه إلى جنبه، أو وراء ظهره، وليصن بدنه عن الزحف، والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك، فإنه يقلل الهيبة، ويسقط الحشمة، كما قيل: من مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف بـه، ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه، أو همه أو غضبه، أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم، أو حرّه المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر. الثالـث: أن يجلس بارزاً لجميع الحاضرين، موقراً فاضلهم بالعلم والسن، والصلاح والشرف، وترفعهم على حسب تقدمهم في الإمامة، ويتلطف بالباقين، ويكرمهم بحسن السلام، وطلاقة الوجه ومزيد الإحترام، ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام، وقد ورد إكرام العلماء وإكرام طلبة العلم في نصوص كثيرة، ويلتفت إلى الحاضرين التفاتاً قسطاً بحسب الحاجة، ويخص من يكلمه أو يسأله، أو يبحث معه على الوجه عند ذلك بمزيد التفات إليه وإقبال عليه، وإن كان صغيراً وضعيفاً، فإن ترك ذلك من أفعال المتجبرين المتكبرين. الرابـع: أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس قراءة شيء من كتاب الله تعالى تبركاً وتيمناً، كما هي العادة، فإن كان في مدرسة شرط فيها ذلك اتبع الشرط، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين، وسائر المسلمين، ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويترضى عن أئمة المسلمين ومشائخه، ويدعو لنفسه وللحاضرين ووالديهم أجمعين، وهو واقف مكانه إن كان في مدرسة أو نحوها؛ جزاءً لحسن فعله، وتحصيلاً لقصده. الخامـس: إذا تعدّدت الدروس قدم الأشرف فالأشرف، والأهم فالأهم، فيقدم تفسير القرآن، ثم الحديث، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم المذهب، ثم الخلاف، أو النحو أو الجدل، ويصل في درسه ما ينبغي وصله، ويقف في مواضع الوقف، ومنقطع الكلام، ولا يذكر شبهة في الدين في درس، ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر، بل يذكرهما جميعاً أو يدعهما جميعاً، وينبغي أن لا يطيل الدرس تطويلاً يمل، ولا يقصر تقصيراً يخل، ويراعي في ذلك مصلحة الحاضرين، ولا يبحث في مقام أو يتكلم في فائدة إلا في موضع ذلك، فلا يقدمه عليه ولا يؤخره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذلك وترجحه. السـادس: أن لا يرفع صوته زائداً على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضاً لا يحصل معه كمال الفائدة. روى الخطيب في (الجامع) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله يحب الصوت الخفيض، ويبغض الصوت الرفيع))، والأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه، ولا يقصر عن سماع الحاضرين، فإن حضر فيهم ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمع، ولا يسرد الكلام سرداً، بل يرتله ويرتبه، ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه. وقد روي أن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان فصلاً يفهمه من سمعه، وكان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ليفهم عنـه، فإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلاً حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه؛ لأنا سنذكر إن شاء الله في آداب المتعلم أنه لا يقطع على العالم كلامه، فإذا لم يسكت هذه ربما فاتت الفائدة. السابـع: أن يصون مجلسه عن اللغط، فإن الغلط تحته، وعن رفع الأصوات واختلاف وجهات البحث. قال الربيع: كان الشافعي إذا ناظره إنسان في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة، ثم نصير إلى ما تريد، ويتلطف في دفع ذلك في مبادئه قبل انتشاره وثوران النفوس، ويذكر الحاضرين بما جاء في كراهة المماراة، لا سيما بعد ظهور الحق، وأن مقصود الاجتماع ظهور الحق وصفاء القلوب، وطلب الفائدة، وأنه لا يليق بأهل العلم تعاطي المنافسة والشحناء؛ لأنها سبب العداوة والبغضاء، بل يجب أن يكون الاجتماع ومقصوده خالصاً لوجه الله تعالى ليثمر الفائدة في الدنيا والسعادة في الآخرة، ويتذكر قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾[الأنفال:8] فإنه يفهم أن إرادة إبطال الحق أو تحقيق الباطل صفة إجرام فليحذر منه. الثامـن: أن يزجر من تعدى في بحثه، أو ظهر منه لدد وسوء أدب، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام أو تحدث مع غيره أو ضحك، أو استهزأ بأحدٍ من الحاضرين، أو فعل ما يخل بأدب الطلب في الحلقة، وسيأتي تفصيل هذا كله -إن شاء الله تعالى- بشرط أن لا يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه، وينبعي أن يكون له نقيب فطن كيس درب يرتب الحاضرين، ومن يدخل عليهم على قدر منازلهم، ويوقظ النائم، ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله ، أو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها. التاسـع: أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه وإن كان صغيراً، ولا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور، ووقع على المعنى عبّر عن مراده، وبيّن وجه إيراده، وردّ على من ردّ عليه، ثم يجيب بما عنده، أو يطلب ذلك من غيره، ويقصد بكلامه النصح والإرشاد وطلب النجاة، وما يعود نفعه على الكل، ويكلم كل أحدٍ على قدر عقله وفهمه، فيجيب بما يحتمله حال السائل، ويتروى فيما يجيب به، وإذا سئل عما لا يعلمه قال: لا أعلم، أو لا أدري، فمن العلم أن يقول فيما لا يعلم لا أعلم، [أو الله أعلم]، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ياأيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم. الله أعلم. وعن بعضهم لا أدري: نصف العلم. وعن ابن عباس: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقالته. وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها. واعلم أن قول المسؤول ما أدري، لا يضيع من قدره، كما يظنه بعض الجهلة؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفة بعض المسائل، بل يرفعه قوله لا أدري؛ لأنه دليل على عظم محله، وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته. وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف، وإنما يأنف من قول لا أدري من ضعفت ديانته، وقلّت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، ولا يخاف من سقوطه من نظر رب العالمين، وهذه جهالة ورقة دين، وربما يشتهر خطؤه بين الناس، فيقع فيما فرَّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدّب الله تعالى العلماء بقضية موسى مع الخضر عليهما السلام حين لم يرد موسى العلم إلى الله عزّ وجل، لما سُئل: هل أحد في الأرض أعلم منك؟ العاشـر: أن يتودد لغريب حضر عنده، ويبسط له لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة، ولا يكثر الإلتفات والنظر إليه استغراباً له، فإن ذلك يخجله، وإذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس، وإن جاء وهو يبحث في مسألة أعادها له أو مقصودها، وإذا أقبل فقيه وقد بقي لفراغه، وقيام الجماعة بقدر ما يصل الفقيه إلى المجلس فليؤخر تلك البقية، ويستغل عنها ببحث أو غيره، إلى أن يجلس الفقيه، ثم يعيدها أو يتم تلك البقية كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه. الحادي عشر: جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم، كذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب، لكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى ونحو ذلك، ليكون قوله: والله أعلم خالصاً لذكر الله تعالى ولقصد معناه، ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم وبحمد لله، كما يستفتح جواب الفتيا بذلك، ليكون ذاكراً لله تعالى في بدأته وخاتمته. والأولى للمدرس أن يمكث قليلاً بعد قيام الجماعة فإن فيه فوائد وآداباً له ولهم، منها عدم مزاحمتهم، ومنها إن كان في نفس أحدهم بقايا سؤال سأله، ومنها عدم ركوبه بينهم إن كان يركب وغير ذلك، ويستحب إذا قام أن يدعو بما ورد به الحديث: ((سبحانك الله، اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). الثاني عشر: أن لا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلاً له، ولا يذكر الدرس من علم لا يعرفه، فإن ذلك لعباً في الدين، وازدراءً بين الناس. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((المتشبع بما لم يعط، كلابس ثوب زور)) . وعن الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه. وعن أبي حنيفة رحمه الله: (من طلب الرئاسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي)، واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصاً، وبتعاطيه ظالماً، وبإصراره فاسقاً، فإنه متى لم يكن أهلاً استهزئ بحاله وانتقص به، ولا يرضى ذلك لنفسه أريب، ولا يتعاطاه مع الغنى عنه لبيب، وأقل مفاسد ذلك أن الحاضرين يفقدون الإنصاف لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف؛ لأن رب الصدر لا يعرف المصيب فينصره أو المخطئ فيزجره، وقيل لأبي حنيفة رضي الله عنه: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهُمْ رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبداً، ولبعضهم في تدريس من لا يصلح شعراً: تصدر للتدريس كل مهوس جهول ليسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس


    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع
    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours رد: آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه السبت فبراير 21, 2009 3:26 pm

    الفصل الثالث في آداب العالم مع طلبته


    وهو أربعة عشر نوعاً:
    الأول: أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، وخمول الباطل، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعدهم، وبركة دعائهم له، وترحمهم عليه، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم، وعداده في جملة مبلغي وحي الله وأحكامه، فإن تعليمه العلم من أهم أمور الدين، وأعلى درجات المؤمنين، على ما سبق إيضاحه أولاً، نعوذ بالله من قواطعه ومكدراته، وموجبات حرمانه وفواته.
    الثانـي: أن لا يمتنع من تعليم الطالب لعدم خلوص نيته، فإنه يُرجى له حسن النية، وربما عسر في كثير من المبتدئين تصحيح [النية لضعف نفوسهم، وقلة أنسهم بموجبات تصحيح] النية، والإمتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم، مع أنه يرجى ببركة العلم تصحيحها إذا أنس بالعلم، وقد قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ومعناه: كانت عاقبته أن صار لله.
    وينبغي للشيخ أن يحرض المبتدئ على حسن النية بتدريج، ويعلمه بعد أنسه به أنه ببركة حسن النية ينال الرتبة العالية من العلم والعمل، واللطف وأنواع الحكم، وتنوير القلب وانشراح الصدر، وتوفيق العزم، وإصابة الحق وحسن الحال، والتسديد في المقال، وعلو الدرجات.
    الثالث: أن يرغبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات، بذكر ما أعد الله تعالى للعلماء من منازل الكرامات، وأنهم ورثة الأنبياء، وعلى منابر من نور، ونحو ذلك مما ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات والأخبار، والآثار والأشعار، ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الإقتصار على الميسور، وقدر الكفاية من الدنيا، والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها، وغلبة الفكر وتفريق الهم بسببها، فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا، والإكثار منها، والتأٍسف على فائتها، أجمع لهمِّه، وأروح لسره، وأشرف لنفسه، وأعلى لمكانته وأقل لحساده، وأجدر بحفظ العلم وازدياده، ولذلك قلّ من نال من العلم نصيباً وافراً إلا من كان في مبادئ تحصيله على ما ذكرت من الفقر والقناعة والإعراض عن طلب الدنيا وعرضها الفاني، وسيأتي في آداب المتعلم أكثر من هذا إن شاء الله تعالى.
    الرابع: أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه، كما جاء في الحديث، ويكره له ما يكره لنفسه، وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ويعامله بما يعامل به أعزّ أولاده من الحنو والشفقة عليه، والإحسان إليه، والصبر على جفاءٍ ربما وقع منه ونقصٍ لا يكاد الإنسان يخلو عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما يصدر منه، بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف، قاصداً بذلك حسن تربيته، وتحسين خلقه، وإصلاح شأنه، فإن عرف ذلك لذكائه بالإشارة، فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى به، وراعى التدريج في التلطف، ويؤدبه بالآداب السنية، ويحرضه على الأخلاق المرضية، ويوصيه بالأمور العرفية، الموافقة للأوضاع الشرعية.
    الخامس: أن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه، وحسن التلطف في تفهيمه، لا سيما إذا كان أهلاً لذلك، بحسن أدبه وجودة طلبه، ويحرضه على ضبط الفوائد، وحفظ النوادر الفرائد، ولا يدخر عنه من أنواع العلوم، وما يسأله عنه وهو أهل له؛ لأن ذلك ربما يوحش الصدر، وينفر القلب، ويورث الوحشة، وكذلك لا يلقي إليه ما لم يتأهل له؛ لأن ذلك يبدد ذهنه، ويعوق فهمه، فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه، ويعرّفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وإن منعه إياه شفقة عليه ولطفاً به لا يخل عليه، ثم يرغبه عند ذلك في الإجتهاد والتحصيل، ليتأهل لذلك وغيره.
    السادس: أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده، وتقريب المعنى له، من غير إكثار لا يحتمله ذهنه، أو بسط لا يضبطه حفظه، ويوضح لمتوقف الذهن العبارة، ويحتسب إعادة الشرح له وتكراره، ويبدأ بتصوير المسائل وتوضيحها بالأمثلة وذكر الدلائل، ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها، لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها، ويذكر الأدلة والمآخذ لمحتملها، ويُبين له معاني أسرار حكمها وعللها، وما يتعلق بتلك المسألة من فرع وأصل، ومن وَهِم فيها في حكم أو تخريج، أو نقل بعبارة حسنة الأداء بعيدة عن تنقيص أحدٍ من العلماء، ولا يمتنع من ذكر لفظة يُستحيا من ذكرها عادة إذا احتيج إليها، ولم يتم التوضيح إلا بذكرها، فإن كانت الكناية تفيد معناها، وتحصل مقتضاها تحصيلاً بيناً لم يصرح بذكرها، بل يكتفي بالكناية عنها، وكذلك إذا كان في المجلس من لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه أو لجفائه، فيكنى عن تلك اللفظة، ولهذه المعاني واختلاف الحال ورد في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم التصريح تارة والكناية أخرى.
    السابع: إذا فرغ الشيخ من شرح درس، فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة، يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له، والمعنى بطرح المسائل أن الطالب ربما استحيا من قوله: لم أفهم، إما لرفع كلفة الإعادة عن الشيخ، أو لضيق الوقت، أو حياءً من الحاضرين، أو كيلا تتأخر قراءتهم بسببه، وقيل: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب: هل فهمت؟ إلا إذا أمن من قوله: نعم قبل أن يفهم، فإن لم يأمن من كذبه لحياءٍ أو غيره فلا يسأله عن فهمه؛ لأنه ربما وقع في الكذب بقوله: نعم، لما قلناه من الأسباب، وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبإعادة الشرح بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم، ويرسخ في أفهامهم؛ ولأنه يحثهم على استعمال الفكر، ومؤاخذة النفس بطلب التحقيق.
    الثامن: أن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات، ويمتحن ضبطهم لما قدم لهم من القواعد المهمة، والمسائل الغريبة، ويختبرهم بمسائل تنبني على أصل قرره أو دليل ذكره، فمن رآه مصيباً في الجواب ولم يخف عليه شدة الإعجاب، شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الإجتهاد في طلب الإزدياد، ومن رآه مقصراً ولم يخف نفوره عنّفه على قصوره، وحرّضه على علو الهمة، ونيل المنزلة في طلب العلم، لا سيما إذا كان ممن يزيده التعنيف نشاطاً، والشكر انبساطاً، ويعيد ما يقتضي الحال إعادته ليفهمه الطالب فهماً راسخاً.
    التاسع: إذا سلك الطالب فوق ما يقتضيه حاله، أو تحملته طاقته، وخاف الشيخ ضجره، أوصاه بالرفق بنفسه، وذكّره بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى))، ونحو ذلك مما يحمله على الأناة والإقتصار في الاجتهاد، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر، أو مبادي ذلك، أمره بالراحة وتخفيف الإشتغال، ولا يشير على الطالب بتعلم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه، فإن استشار الشيخ من لا يعرف حاله [من الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب، لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه، ويعلم حاله]، فإن لم يحتمل الحال التأخير أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى ذهنه قابلاً وفهمه جيداً نقله إلى كتاب يليق بذهنه، وإلا تركه؛ وذلك لأن نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على جودة ذهنه يزيد انبساطه، وإلى ما يدل على قصوره يقلل نشاطه، ولا يمكن الطالب من الإشتغال في فنّين أو أكثر، إذا لم يضبطهما، بل يقدم الأهم فالأهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فإذا علم أو غلب في ظنه أنه لا يفلح في فن، أشار [عليه] بتركه والإنتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه.
    العاشر: أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرم، إما مطلقاً كتقديم المباشرة على السبب في الضمان، أو غالباً كاليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة، ونحو ذلك من القواعد، وكذلك كل أصل، وما ينبني عليه من كل فن يحتاج إليه من علمي التفسير والحديث، وأبواب أصول الدين والفقه، والنحو والتصريف واللغة، ونحو ذلك إما بقراءة كتاب من الفن أو بتدريج، وهذا كله إذا كان الشيخ عارفاً بتلك الفنون، وإلا فلا يتعرض لها، بل يقتصر على ما يتقنه منها، ومن ذلك ما لا يسع الفاضل جهله كأسماء المشهورين من الصحابة، والتابعين وأئمة المسلمين، وعلماء أهل البيت المطهرين العاملين، وأهل الزهد والصلاح من الفقهاء المحققين، وما يستفاد من محاسن آدابهم، [ونوادر أحوالهم، فيحصل له مع الطول فوائد] كثيرة.

    يتبع


    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع
    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours رد: آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه السبت فبراير 21, 2009 3:27 pm

    الحادي عشر: أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في موت، واعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو تحصيل أو ديانة، فإن ذلك ربما يوحش الصدور وينفر القلوب، فإن كان لأحدهم فضيلة، فأظهر إكرامه لأجلها فلا بأس بذلك؛ لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات، ولا يقدم أحداً في نوبة الآخر، إلا إذا رأى في ذلك مصلحة تزيد على مصلحة مراعاة النوبة، أو سمح الطالب بذلك كما سيأتي إن شاء الله، وينبغي أن يتودد لحاضرهم، ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء، وينبغي أن يستعلم عن أسمائهم وأنسابهم، ومواطنهم وأحوالهم، ويكثر الدعاء لهم.
    الثاني عشر: أن يرقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم، وأخلاقهم باطناً وظاهراً، فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه، أو ما يؤدي إلى فساد حال، أو ترك اشتغال، أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره، أو كثرة كلام بغير توجيه ولا فائدة، ومعاشرة من لا تليق معاشرته، أو نحو ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب المتعلم، عرض الشيخ بالنهي عن ذلك بحضور من صدر منه ذلك غير معرض به، ولا معين له، فإن لم ينتبه نهاه عن ذلك سراً، ويكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها، فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهراً، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال، لينزجر هو وغيره، ويتأدب به كل سامع، فإن لم ينته فلا بأس بطرده، والإعراض عنه إلى أن يرجع، وكذا يتعاهد ما يعامل به بعضهم بعضاً من افشاء السلام، وحسن التخاطب في الكلام، والتحابب والتعاون على البر والتقوى، وعلى ما هم بصدده.
    الثالث عشر: أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم، ومساعدتهم بما تيسر من جاه أو مال عند قدرته على ذلك، وسلامة دينه وعدم ضرره، فإن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه حاجته يوم القيامة، ولا سيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم، وإذا غاب بعض الطلبة، أو ملازمي الحلقة زائداً على العادة سأل عنه، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه وقصد منزله بنفسه، وهو أفضل، فإن كان مريضاً عاده، وإن كان في غم خفض عليه، أو في أمر يحتاج إليه فيه أعانه، وإن كان مسافراً تفقد أهله ومن يتعلق به، وسأل عنهم ويعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن لم يكن في شيء من ذلك توّدد إليه ودعا له.
    واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله إليه.
    الرابع عشر: أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد، إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله وحقوقه، ويخفض له جناحـه، ويلين له جانبه، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء:215]، وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا، وما تواضع أحد إلا رفعه الله)) وهذا في التواضع لمطلق الناس، فكيف من له حق الصحبة، وحرمة التردد، وصدق التودد، وشرف الطلب؛ فهم كأولاده، وفي الحديث: ((لينوا لمن تُعلمون ولمن تتعلمون منه)).
    وعن الفضيل: (إن الله يحب العالم المتواضع ويبغض الجبار)، ومن تواضع لله ورثه الله الحكمة، ويخاطب كلاً منهم بكنيته ونحوها من أحب الأسماء إليه، وما فيه تعظيم له وتوقير.
    وعن عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكني أصحابه إكراماً لهم)، وينبغي أن يرحب بالطلبة إذا لقيهم [وعند إقبالهم عليه، ويكرمهم إذا جلسوا إليه، ويؤنسهم] بسؤاله عن أحوالهم، ويعاملهم بطلاقة الوجه، وظهور البشر، وحسن المودة، ويزيد في ذلك لمن يُرجا فلاحه، ويظهر صلاحه، ويضع الحكمة في موضعها.


    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع
    المصلوب بالكناسه
    المصلوب بالكناسه
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد الرسائل : 341
    العمر : 30
    العمل/الترفيه : طالب
    اضف نقطة : 102
    تاريخ التسجيل : 07/12/2007

    GMT + 12 Hours رد: آداب العلماء والمتعلمين

    مُساهمة من طرف المصلوب بالكناسه السبت فبراير 21, 2009 3:29 pm

    الفصل الرابع في آداب المتعلم في نفسه


    وهي عشرة أنواع:
    الأول: أن يطهر قلبه من كل غش ودنس، وغل وحسد، وسوء عقيدة وخلق، ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه، والإطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم كما قال بعضهم: صلاة السر، وعبادة القلب، وقربة الباطن، فكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث، فكذلك لا يصلح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات، وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها.
    وقالوا: يطيب القلب للعلم كما تطيب الأرض للزرع، فإذا طيب العلم ظهرت بركته، ونما كما ينمو زرعها، ويزكو إذا طيبت.
    وفي الحديث: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب)).
    وقال سهل: حرام على قلب أن يدخله نور وفيه شيء مما يكره الله عزّ وجل.
    الثاني: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله عزّ وجل والعمل به، وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه، وتجلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم لقائه، والتعرض لما أعدّ لأهله من رضوانه، وعظم فضله.
    قال سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد من نيتي، ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرئاسة، والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس، ونحو ذلك فليستبدل الأدنى بالذي هو خير.
    والعلم عبادة من العبادات وقربة من القرب، فإن خلصت فيه النية قبل وزكا، ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله حبط وضاع وخسرت صفقته، وربما كان ذلك سبباً في فوات تلك المقاصد، فلا ينالها فيخيب قصده، ويضيع سعيه.
    الثالث: أن يبادر شبابه وأوقات عمره فيصرفها إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأمل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر على قطعه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب، وبذل الإجتهاد وقوة الجد في التحصيل، فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التّغرب عن الأهل والبعد عن الوطن تقليلاً للشواغل؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن إدراك الحقائق، وما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه، ولذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.
    الرابع: أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيراً، ومن اللباس بما ستر مثله وإن كان خلقاً فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن متفرقات الآمال، فتنفجر فيه ينابيع الحكم.
    وعن الشافعي رحمه الله: (لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش، وخدمة العلماء أفلح)، وقال: (لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل، ومن آثر طلب العلم على الاحتراف فإن الله يعوضه ويأتيه بالرزق من حيث لا يحتسب)، فعن زياد بن حارث الصدائي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من طلب العلم تكفل الله برزقه)) أخرجه الخطيب في (الجامع).
    الخامس: أن يقسم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، فإن بقية العمر لا قيمة لها، وأجود الأوقات للحفظ: الأسحار، وللبحث: الأبكار، وللكتابة: وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة: الليل، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود الأماكن للحفظ: كل مكان بعيد عن الملهيات كالنبات والخضرة والأنهار، وقوارع الطرق، وضجيج الأصوات؛ لأنها تمنع من خلو القلب غالباً.
    السادس: من أعظم الأسباب المعينة على الإشتغال والفهم وعدم الملال، أكل القدر اليسير من الحلال.
    قال الشافعي رحمه الله: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة، وقصور الذهن، وفتور الحواس، وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهة الشرعية، والتعرض لخطر الأسقام البدنية، كما قال:

    فإن الداء أكثر ما تراه

    يكون من الطعام أو الشراب


    ومن رام الفلاح في العلم، وتحصيل البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلاً في العادة، والأولى أن يكون أكثر ما يؤخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)) رواه الترمذي، فإن زاد فهو إسراف، وقد قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾[الأعراف:31].
    قال بعض العلماء: جمع الله الطب كله بهذه الكلمة.
    السابع: أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه، ولباسه ومسكنه، وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه، ويصلح لقبول العلم ونوره، والنفع به ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعاً، مهما أمكنه التورع، ولم تلجه حاجة، بل يطلب الرتبة العالية، ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتدي به في ذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة، مع بعد كونها منها؛ ولأن أهل العلم يقتدى بهم ويؤخذ عنهم فإذا لم يستعملوا الورع فمن يستعمله؟

    الثامن: أن يقلل استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة، كالتفاح الحامض، والباقلا وشرب الخل، وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبعد للذهن، ككثرة الألبان والسمك ونحو ذلك، ويجتنب ما يورث النسيان بالخاصة كأكل أثر سور الفار، وقراءة ألواح القبور، والدخول بين جملين مقطورين، وإلقاء القمل حية، ونحو ذلك من المجريات.
    التاسع: أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة على ثمان ساعات، وهي ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل من ذلك فعل، ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا قلّ شيئاً من ذلك أو ضعف بتنزه وتفرج في المستنزهات، بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمانه، وكان بعض أكابر العلماء يجمع أصحابه في بعض أماكن التنزه في بعض أيام السنة ويتمازحون بما لا يضرهم في دين ولا عرض، ويتجنب ما يعاب من الهزل والبسط بالفعل، وفرط التْمطي، والتمايل على الجنب والقفا، والضحك الفاحش بالقهقهة.
    العاشر: أن يترك العشرة، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصاً لمن كثر لعبه وقلّت فكرته، فإن الطباع شر آفة، وآفة العشرة ضياع للعمر بغير فائدة، وذهاب المال والعرض إن كانت لغير أهل، وذهاب الدين إن كانت لغير أهله.
    والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيد أو يستفيد منه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أغد عالماً أو متعلماً، ولا تكن الثالث فتهلك))، فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه، فليتلطف في قطع عشرته في أوائل الأمر قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: (الدفع أسهل من الرفع)، فإن احتاج إلى من يصحبه فليكن صالحاً ديِّناً، تقياً ورعاً، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة قليل المماراة، فإن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، أو ضجر صبّره، ومما يروى عن علي رضي الله عنه:
    وإياك وإياه
    حليماً حين آخاه


    لا تصحب أخا الجهل
    فكم من جاهل أردى

    إذا ما هو ماشاه


    يقاس المرء بالمرء

    ولبعضهم:
    ومن يضر نفسه لينفعك
    شتت شمل نفسه ليجمعك


    إن أخاك الصدق من كان معك
    ومن إذا ريب زمان صدعك




    __.:::::___:::::.__


    آداب العلماء والمتعلمين 309915112
    إقرع الباب وناد*** يارفيقآ بالعباد
    أناعبد وأبن عبد*** وإلى الحفرة غاد
    ليس لي زاد ولكن*** حسن ظني فيك زاد

    برحمت ربي نجى من نجى ### وحاز الامان بيوم الفزع

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أبريل 10, 2021 2:07 pm